فخر الدين الرازي

315

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ويكلمه فقال : أيكم فجع هذه بولدها ؟ فقال رجل : أنا ، فقال : أردد إليها ولدها ! وكلام الذئب معه مشهور ، وأكرم سليمان بمسيرة غدوة شهرا وأكرمه بالمسير إلى بيت المقدس في ساعة ، وكان حماره يعفور يرسله إلى من ، يريد فيجيء به ، وقد شكوا إليه من ناقة أنها أغيلت ، وأنهم لا يقدرون عليها فذهب إليها ، فلما رأته خضعت له ، وأرسل معاذا إلى بعض النواحي ، فلما وصل إلى المفازة ، فإذا أسد جاثم فهاله ذلك ولم يستجر [ ىء ] أن يرجع ، فتقدم وقال : إني رسول رسول اللّه فتبصبص ، وكما انقاد الجن لسليمان ، فكذلك انقادوا لمحمد عليه الصلاة والسلام ، وحين جاء الأعرابي بالضب ، وقال لا أؤمن بك حتى يؤمن بك هذا الضب ، فتكلم الضب معترفا برسالته ، وحين كفل الظبية حين أرسلها الأعرابي رجعت تعدو حتى أخرجته من الكفالة وحنت الحنانة لفراقه ، وحين لسعت الحية عقب الصديق في الغار قالت : كنت مشتاقة إليه منذ كذا سنين فلم حجبتني عنه ! وأطعم الخلق الكثير ، من الطعام القليل ومعجزاته أكثر من أن تحصى وتعد ، فلهذا قدمه اللّه على الذين اصطفاهم ، فقال : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [ الأحزاب : 7 ] فلما كانت رسالته كذلك جاز أن يسميها اللّه تعالى كوثرا ، فقال : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ القول السادس : الكوثر هو القرآن ، وفضائله لا تحصى ، وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [ لقمان : 27 ] قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي [ الكهف : 109 ] القول السابع : الكوثر الإسلام ، وهو لعمري الخير الكثير ، فإن به يحصل خير الدنيا والآخرة وبفواته يفوت خير الدنيا وخير الآخرة ، وكيف لا والإسلام عبارة عن المعرفة ، أو ما لا بد فيه من المعرفة ، قال : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [ البقرة : 269 ] وإذا كان الإسلام خيرا كثيرا فهو الكوثر ، فإن قيل : لم خصه بالإسلام ، مع أن نعمه عمت الكل ؟ قلنا : لأن الإسلام وصل منه إلى غيره ، فكان عليه السلام كالأصل فيه القول الثامن : الكوثر كثرة الأتباع والأشياع ، ولا شك أن له من الأتباع ما لا يحصيهم إلا اللّه ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام ، قال : « أنا دعوة خليل اللّه إبراهيم ، وأنا بشرى عيسى ، وأنا مقبول الشفاعة يوم القيامة ، فبينا أكون مع الأنبياء ، إذ تظهر لنا أمة من الناس فنبتدرهم بأبصارنا ما منا من نبي إلا وهو يرجو أن تكون أمته ، فإذا هم غر محجلون من آثار الوضوء ، فأقول : أمتي ورب الكعبة فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يظهر لنا مثل ما ظهر أولا / فنبتدرهم بأبصارنا ما من نبي إلا ويرجو أن تكون أمته فإذا هم غر محجلون من آثار الوضوء فأقول : أمتي ورب الكعبة ، فيدخلون الجنة بغير حساب ، ثم يرفع لنا ثلاثة أمثال ما قد رفع فنبتدرهم ، وذكر كما ذكر في المرة الأولى والثانية ، ثم قال : ليدخلن ثلاث فرق من أمتي الجنة قبل أن يدخلها أحد من الناس » و لقد قال عليه الصلاة والسلام : « تناكحوا تناسلوا تكثروا ، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ، ولو بالسقط » فإذا كان يباهي بمن لم يبلغ حد التكليف ، فكيف بمثل هذا الجم الغفير ، فلا جرم حسن منه تعالى أن يذكره هذه النعمة الجسيمة فقال : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ القول التاسع : الكوثر الفضائل الكثيرة التي فيه ، فإنه باتفاق الأمة أفضل من جميع الأنبياء ، قال المفضل بن سلمة : يقال رجل كوثر إذا كان سخيا كثير الخير ، وفي « صحاح اللغة » : الكوثر السيد الكثير الخير ، فلما رزق اللّه تعالى محمدا هذه الفضائل العظيمة حسن منه تعالى أن يذكره تلك النعمة الجسيمة فيقول : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ القول العاشر : الكوثر رفعة الذكر ، وقد مر تفسيره في قوله : وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [ الشرح : 4 ] القول الحادي عشر : أنه العلم قالوا : وحمل الكوثر على هذا أولى لوجوه أحدها : أن العلم هو الخير الكثير قال : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [ النساء : 113 ] وأمره بطلب العلم ، فقال : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] وسمى الحكمة خيرا كثيرا ، فقال : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ